فهرس المحتويات
|
01 |
مقدمة — أهمية اللعب في مرحلة ما قبل المدرسة |
|
02 |
ما هو اللعب؟ تعريفاته ومعاييره العلمية |
|
03 |
العلاقة بين اللعب والتعلم في مرحلة الروضة |
|
04 |
مكانة اللعب في التعليم الأولي — الواقع والمأمول |
|
05 |
فوائد اللعب للطفل — ثلاثة محاور أساسية |
|
06 |
أنواع الألعاب العشرة في التعليم الأولي |
|
07 |
أشكال تنظيم اللعب داخل الفصل الدراسي |
|
08 |
خلاصة وتوصيات عملية للمربّين |
القسم الأول
مقدمة — لماذا اللعب في التعليم الأولي ضرورة لا خيار؟
تمثّل مرحلة ما قبل المدرسة (الروضة والتعليم الأولي) واحدة من أكثر الفترات الحرجة في حياة الإنسان. ففي هذه السنوات الأولى، يمتلك الطفل الصغير طاقة تعليمية استثنائية تمتد على أبعاد متعددة: الإدراك والمعرفة، والنمو الاجتماعي والعاطفي، والصحة الجسدية والنفسية.
ومن أبرز ما تكشفه الدراسات والملاحظات الميدانية أن اللعب يشكّل الوسيلة الأمثل لاستثمار هذا الإمكان التعليمي الهائل. فالأطفال في هذه السن لا يفصلون بين التعلّم والمتعة؛ بل إنهم يتعلمون بطبيعتهم من خلال اللعب، والاستكشاف، والتقليد، والتجريب الحر.
|
يُعدّ اللعب من أكثر الوسائل فعالية لاكتساب الطفل المعارف والكفاءات الأساسية في جميع المجالات: العقلية، والاجتماعية، والعاطفية، والجسدية — وذلك في جو يسوده البهجة والدافعية. |
غير أن كثيرًا من المربّين ومحترفي قطاع التعليم الأولي لا يزالون يجهلون الثراء الهائل للعب في مرحلة الطفولة المبكرة. بل إن كثيرًا منهم لم يتلقّوا تدريبًا كافيًا على كيفية دمج التعلم القائم على اللعب في ممارساتهم اليومية داخل الفصل. يُضاف إلى ذلك أن ثقافة المجتمع في كثير من الأحيان تنظر إلى اللعب كنقيض للجدية، وكأن التعلم لا يمكن أن يتم إلا في مناخ صارم خالٍ من المتعة.
يُقدّم هذا المقال التربوي الشامل عرضًا علميًا وميدانيًا لقيمة اللعب في دعم نمو الطفل الصغير في شخصيته ومكتسباته التعليمية ومهاراته الاجتماعية، مستندًا إلى الوثيقة التربوية التي أعدّتها منظمة ATFALE بالمغرب في سياق البرنامج الوطني لتطوير التعليم الأولي.
القسم الثاني
ما هو اللعب؟ — التعريف والمعايير العلمية
يُعرَّف اللعب بوصفه نشاطًا جسديًا أو ذهنيًا، غير مفروض، هدفه الأساسي المتعة التي يُحققها. وقد يكون فرديًا أو جماعيًا، ويتم وفق منظومة من القواعد المحددة، أو بناءً على تخيّل إبداعي يتطور تدريجيًا وفق قرارات اللاعبين.
أولاً: معايير اللعب وفق روجيه كايُوا
روجيه كايُوا (1913-1978) عالم اجتماع وناقد أدبي فرنسي، وضع إطارًا نظريًا للعب يرتكز على ستة معايير أساسية:
|
نشاط حر |
يجب أن يختار اللاعب الانخراط في اللعب بإرادته الكاملة — الإكراه يُفقده طابعه اللعبي. |
|
نشاط منفصل |
يُحدد اللاعبون حدودًا خيالية للزمان والمكان تُميّز فضاء اللعب عن الواقع اليومي. |
|
نشاط غير محسوم |
لا يُعرف مسبقًا كيف ستسير الأحداث أو من سيفوز — المفاجأة هي ما يمنح اللعب طاقته. |
|
نشاط غير منتج |
اللعب لا ينتج بضائع أو ثروات — قد يتغير توزيع ما بين اللاعبين لكن المجموع يبقى ثابتًا. |
|
نشاط خاضع للقواعد |
تُوقف قواعد اللعب القوانين المعتادة وتُرسي نظامًا مؤقتًا خاصًا يلتزم به الجميع. |
|
نشاط تخيلي |
يعرف الطفل أنه يلعب وأن ما يحدث ليس حقيقيًا — وعي تام بالفارق بين اللعب والواقع. |
ثانيًا: معايير اللعب وفق جيل بروجير
يُضيف عالم علوم التربية جيل بروجير (في كتابه Jouer/apprendre، 2005) خمسة معايير تُكمل الإطار السابق:
● الدرجة الثانية (الخيال الحقيقي): اللعب يدور في إطار رمزي متفق عليه — 'كأننا على ظهر سفينة'.
● القرار: لا وجود للعب إلا إذا قرر اللاعبون ذلك طوعًا، وكل ما يحدث أثناء اللعب هو سلسلة من القرارات.
● القاعدة: هي الخط التوجيهي للنشاط، تُطبَّق فقط إن قبلها جميع اللاعبين، ويمكن إعادة التفاوض بشأنها.
● الخفة: اللعب لا عواقب له على الواقع — يتيح للاعبين تجربة مواقف جديدة دون قياس المخاطر.
● عدم اليقين: هو محرك اللعب الحقيقي — اللعبة ليست متطابقة أبدًا مرتين، والنتيجة مفتوحة دائمًا.
|
اللعب يضع اللاعب في عالم موازٍ تسوده المبادرة والحرية والمتعة — وهو عالم تحكمه قواعد خاصة، ونتائجه لم تُكتب مسبقًا قط. هذا الجمع بين الحرية والقيد هو ما يجعل اللعب أداةً تعليمية لا مثيل لها. |
القسم الثالث
اللعب والتعلّم — أي علاقة؟
يُعني التعلّم في جوهره قدرة الإنسان على التأقلم مع بيئته اللغوية والثقافية والاجتماعية والعاطفية. ومنذ الأيام الأولى من الحياة، يبدأ الرضيع عملية التعلّم الضمني اللاواعي، من خلال التقليد والاستكشاف والانغماس في محيطه اليومي.
تجدر الإشارة إلى أن علماء النفس المعرفي (ولا سيما أ. تريكو) يُميّزون بين نوعين من التعلم في مرحلة الروضة:
|
تعلّمات أولية / تلقائية تعمل بالانغماس والتكيّف. تعتمد على التقليد، والإبداع، والاستقلالية. تجد مكانها في اللعب الحر والأركان الدراسية وأوقات الفراغ. |
تعلّمات ثانوية / مبنية تحتاج إلى توجيه وتعليم وجهد. تُقدَّم عبر وضعيات تربوية مدروسة من قِبَل المربّي. تعتمد على الألعاب المُهيكَلة. |
إن المدرسة لا تلغي التعلمات التلقائية، بل تُوسِّع آفاقها من خلال التعلمات البنائية المنظمة. وما يجعل اللعب في التعليم الأولي أداةً لا غنى عنها هو أنه يمزج بين النوعين بطريقة طبيعية وفعّالة في آنٍ واحد.
القسم الرابع
مكانة اللعب في التعليم الأولي — الواقع والمأمول
يُصرّح الإطار المنهاجي لوزارة التربية الوطنية صراحةً بأن 'كل نشاط تربوي مهما كان مجاله ينبغي أن يُنجز من خلال اللعب'. غير أن الممارسة الميدانية لا تزال بعيدة كل البُعد عن هذا التوجيه.
فاللعب في كثير من الفصول الدراسية يبقى في هامش الحياة المدرسية، ولا يُستحضر إلا كمكافأة أو كنشاط ترفيهي في أوقات الراحة. يعكس هذا الواقع غياب تكوين ملائم لدى مهنيي التعليم الأولي وعدم وعي الأسرة بالدور الحيوي للعب في مسار نمو الطفل.
|
اللعب يبقى مُهمَّشًا داخل التعليم الأولي. يُختزَل في ثلاثة أدوار: وقت الاسترخاء — مكافأة بعد الجهد — وفي أسوأ الحالات: مضيعة للوقت! والحال أن مكانة اللعب في الفصول الأولية في أمسّ الحاجة إلى إعادة بناء وتأهيل جذري. |
يُعزى هذا الوضع في المقام الأول إلى ضعف تكوين مهنيي التعليم الأولي، وجهل الأسرة بأهمية اللعب. وكثيرًا ما يرى الكبار في اللعب تناقضًا مع جدية التعلم وتطور الطفل، كأن التعلم لا يمكن أن يسير في مناخ مفعم بالبهجة والمتعة.
والحال أن اللعب، حين يُستثمَر استثمارًا صحيحًا، يُتيح للأطفال التفتح الكامل ليصبحوا اجتماعيين ومبدعين، وينمّي كفاءاتهم المدرسية في آنٍ واحد. ولذلك فإن الرهان الحقيقي هو برمجة اللعب الحر والمُهيكَل بدقة ضمن الأنشطة اليومية للتعليم الأولي، وهو الثمن الوحيد لبيداغوجيا فعلية قائمة على النشاط والدافعية ومتعة التعلم.
القسم الخامس
فوائد اللعب للطفل — ثلاثة محاور أساسية
رصد الباحثون في علم النفس التربوي وعلوم التربية المبكرة منظومة متكاملة من الفوائد التي يُقدّمها اللعب للطفل في مرحلة ما قبل المدرسة. ويمكن تصنيف هذه الفوائد وفق ثلاثة محاور كبرى متداخلة ومتكاملة.
المحور الأول — ازدهار الذات والرفاه الشخصي
● اللعب مصدر فرح وبهجة يُطلق إفراز الإندورفين، مما يُقلّص القلق ويُعزّز الإحساس بالسلامة النفسية والجسدية للطفل.
● يُحرّر النبضات الحركية للطفل — فالجري والقفز والتسلق تُساعد على تنظيم المزاج والتوازن الوجداني اليومي.
● يُنمّي الإبداع والخيال حين يُترك للطفل حرية اختيار سيناريوهات لعبه وتصميم عوالمه وسيناريوهاته الخاصة.
● يبني الثقة بالنفس — في اللعب لا توجد 'خسارة كارثية'؛ يمكن للطفل أن يُحاول ويُخطئ دون أن يُعرّض كرامته للخطر.
● يُرسّخ الوعي الذاتي حين يختبر الطفل خياراته واستراتيجياته ويُقيّم نتائجها بشكل فوري ومباشر.
المحور الثاني — التعلم والاكتساب المعرفي
● اللعب يُحفّز النمو اللغوي — خاصة من خلال ألعاب التمثيل حيث يُجسّد الطفل شخصيات متنوعة ويوظّف معجمًا خاصًا بكل سياق.
● يُفعّل إفراز بروتين BDNF (عامل النمو العصبي المشتق من الدماغ) الذي يُحفّز إنتاج خلايا دماغية جديدة ويُقوّي القائمة منها.
● يُعزّز الذاكرة من خلال التكرار الطوعي — فالطفل الذي يلعب لا يمل من تكرار الحركات والأنشطة، مما ينشئ توصلات عصبية راسخة.
● يُنمّي القدرة على الإصغاء والتركيز — الرغبة في الفوز وفي التفوق تستنهض انتباه الطفل وتُركّزه بشكل طبيعي.
● يُدرّب على الكبح المعرفي — ففي بعض الألعاب يُضطر الطفل إلى توقيف حركة بشكل مفاجئ، مما يُنمّي قدرته على ضبط ردود أفعاله التلقائية.
● يُفضي إلى حل المشكلات — الطفل يصوغ فرضيات ويستكشف مسارات ويبتكر حلولاً، مما يُطوّر تفكيره الأصيل ومهاراته الاستدلالية.
المحور الثالث — التنشئة الاجتماعية
● اللعب يُطوّر الكفاءات الاجتماعية-العاطفية — يتعلم الطفل مراعاة الآخر واحترام القواعد المشتركة وضبط النفس.
● يُنمّي الوعي بعقليات الآخرين — خاصة في ألعاب الأدوار حيث يُجسّد الطفل شخصية ويتخيّل طريقة تفكيرها ومشاعرها.
● يُعلّم إدارة النزاعات — حين يتخاصم الأطفال أثناء اللعب، يتعلمون تدريجيًا إيجاد حلول بأنفسهم.
● يُرسّخ ثقافة التعاون والتضامن — يعمل الأطفال معًا لإنجاز مشاريع مشتركة وتحقيق أهداف جماعية.
|
في التعليم الأولي، اللعب ليس خيارًا بل ضرورة. إنه نشاط جدي يُسهم في نضج دماغ الطفل الصغير وتطوير كفاءاته الاجتماعية-العاطفية. والحرمان من اللعب في الطفولة يُعيق بناء شخصية الإنسان المتوازن في مستقبله. |
القسم السادس
أنواع الألعاب العشرة في التعليم الأولي
يُمكن تصنيف الألعاب الملائمة لمرحلة التعليم الأولي في عشرة أنواع كبرى، يخدم كل منها أهدافًا تنموية وتعليمية متمايزة. يُتيح هذا التصنيف للمربّي توسيع مخزونه البيداغوجي وتنويع مقارباته التدريسية.
|
# |
نوع اللعب |
الهدف الأساسي |
|
1 |
ألعاب المحاكاة (الرمزية) |
بناء التمثّلات الاجتماعية وتطوير اللغة والمشاعر |
|
2 |
ألعاب البناء والتركيب |
تنمية الحركة الدقيقة واكتشاف القوانين الفيزيائية |
|
3 |
الألعاب الحركية |
تطوير الوظائف الحركية وتعزيز الصحة الجسدية |
|
4 |
الألعاب الحسية |
تنمية الحواس الخمس وتحسين الانتباه والإدراك |
|
5 |
الألعاب التراثية |
صون الموروث الثقافي وتطوير الإبداع والحركة |
|
6 |
ألعاب اللغة |
إغناء المعجم وتطوير التركيب والتعبير اللغوي |
|
7 |
الأناشيد والأغاني |
تعزيز الذاكرة والإيقاع والنمو اللغوي |
|
8 |
الألعاب الرياضية |
تقديم مفاهيم العدد والفضاء والمنطق والمقاييس |
|
9 |
ألعاب المشاعر |
تكوين الذكاء الوجداني ومعرفة العواطف وتسميتها |
|
10 |
الألعاب التعليمية |
بناء تعلمات محددة في مجالات دراسية متنوعة |
1. ألعاب المحاكاة — تفصيل وأمثلة
ألعاب التقليد أو التظاهر هي تلك التي يُحاكي فيها الطفل الواقع انطلاقًا من ملاحظاته وتجاربه الحياتية. يُعيد الطفل خلالها إنتاج الإيماءات والسلوكيات الخاصة بالأشخاص الذين يعايشهم: الأم، والأب، والمربّية، والبقّال...
تُساعد هذه الألعاب الطفل على بناء تمثّلاته للعالم المحيط به، وتُؤدّي وظيفة تكيّف اجتماعي من خلال استيعاب الأدوار الاجتماعية للكبار. كما تُسهم في تطوير الكفاءات الاجتماعية-العاطفية، إذ تمنح الطفل فرصة استعادة مواقف مشحونة عاطفيًا في إطار آمن.
تُوظَّف هذه الألعاب عادةً في أركان خاصة مُعدّة داخل الفصل الدراسي: ركن الطبيب، ركن البيت، ركن البقّال، ركن المطبخ، ركن التنكّر. وفي هذه الأركان يكون الأطفال مستقلين وهم سادة لعبهم — والمربي يُهيّئ ويُراقب ويضع القواعد، دون أن يتدخل في سير النشاط إلا في حالات الخطر.
|
الأركان يجب أن تُجهَّز بعناية ودقة. ركن واحد أو ركنان مُجهَّزان جيدًا خير من أركان كثيرة فارغة وغير مُجهَّزة. حين تكون التجهيزات شحيحة، يُطوّر الأطفال تصرفات لعبية ولغوية واجتماعية محدودة جدًا. |
2. ألعاب البناء والتركيب
تشمل ألعاب البناء مجموع أنشطة العجن، التجميع، التحويل، التركيب، والصنع التي يُمارسها الطفل انطلاقًا من تلاعبه بعناصر متوفرة في محيطه. وكثيرًا ما تكون تجربة البناء الأولى للطفل تلك القطعة الصغيرة من العجين التي تتركه الأم يعجنها.
يُطوّر هذا النوع من اللعب القدرات اليدوية للطفل الذي لا يكلّ من تكرار نفس الحركات. هذه التلاعبات المتعددة تُنمّي التنسيق البصري-الحركي وتُعزّز الحركة الدقيقة. كما تُتيح للطفل اكتشاف القوانين الفيزيائية تجريبيًا: قانون الطفو، قانون التوازن...
3. الألعاب الحركية
تضم الألعاب الحركية مجموع الأنشطة التي يُمارس من خلالها الطفل وظائفه الحركية: يجري ويقفز ويتزحلق ويتسلق ويمسك ويوازن. في مرحلة التعليم الأولي، يكون الطفل غنيًّا بالحيوية، يبحث باستمرار عن تجارب حركية جديدة.
تُحسّن الممارسة البدنية الطاقة القلبية-التنفسية والقلبية-الوعائية، مما يُعزّز النمو الجسدي والتطور الدماغي بفضل أكسجة خلايا جسم الطفل. كما تُساعد على الوقاية من الأمراض المرتبطة بقلة الحركة والاستخدام المفرط للشاشات (السمنة، وضعف النوم...). يجب تخصيص وقت يومي للنشاط البدني.
4. الألعاب الحسية
تستهدف الألعاب الحسية تطوير الحواس الخمس: البصر والسمع والشم والتذوق واللمس. أعضاء الحواس تجمع باستمرار المعلومات من العالم الخارجي وتنقلها إلينا. وتُشير الأبحاث إلى أن الحياة في الوسط الحضري تميل إلى إضعاف هذه الطاقات الحسية بسبب نقص التحفيز المتنوع.
تُوظَّف الألعاب الحسية أيضًا لدعم تعلّمات محددة: في القراءة (التمييز الصوتي)، وفي الرياضيات (التصنيف بحواس مختلفة)، وفي الفنون (التمييز البصري للألوان والأشكال). وتتنوع هذه الألعاب لتشمل: ألعاب كيم البصرية، صناديق الأصوات، أكياس اللمس، ألعاب التذوق، وألعاب الرائحة.
5. الألعاب التراثية
تشمل الألعاب التراثية مجموعة متنوعة جدًا من الألعاب المتوارثة عبر الأجيال: ألعاب المطاردة، والقفز، والمهارة، والألعاب اللغوية، وصنع الأشياء بأدوات الطبيعة. وهي تنتقل من الكبار إلى الصغار في سياق طبيعي، وتتفاوت من منطقة إلى أخرى بالمغرب.
تُشكّل هذه الألعاب جزءًا من الموروث الثقافي للطفل الصغير وتستحق مكانتها في مؤسسة التعليم الأولي. ومن محاسنها الإضافية أنها بيئية قبل الأوان، تعتمد على إعادة تدوير المواد. كما أن جمع هذه الألعاب يُمكن أن يتم بإشراك الآباء، مما يُتيح فرصة ذهبية لإدماجهم في حياة المؤسسة التعليمية.
6. ألعاب اللغة
تشمل ألعاب اللغة مجموع الألعاب التي تستهدف تطوير لغة الطفل الصغير على المستوى المعجمي والتركيبي، بتشجيعه على الكلام والتبادل والإصغاء والتخيّل. اللغة هي ما يُمكّن من بناء الفكر، والوعي بالذات، والعلاقة بالآخر.
يصل كثير من الأطفال إلى التعليم الأولي بلغة فقيرة ومجتزأة — بعضهم لا يزال غير قادر على التعبير بالكلام. يواجهون صعوبة في التواصل اللفظي، وتبقى لغتهم ناقصة، ومتذبذبة، وأحيانًا غير مفهومة. إن ألعاب اللغة تُقدّم ميدانًا ممتعًا ومُحفِّزًا لممارسة التفاعلات اللغوية، وتُساعد الطفل على بناء جمل أطول وأدق.
7. الأناشيد والتعداديات والأغاني
تُشكّل الأناشيد والتعداديات والأغاني جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الطفولية. منذ صغرهم، يُحب الأطفال أن يُغنّي لهم آباؤهم التعداديات خاصة حين تُرافقها حركات (دغدغة، تحريك الإصبع على ذراع الطفل...).
تُحسّن الأناشيد لدى الطفل النطق والمعجم والصيغ النحوية والتركيبية السليمة. وحين تُرافقها حركات، تُسهم في النمو الحركي والحركة الدقيقة. كما تُمكّن من إطلاق اليوم في مناخ بهيج وإيجابي، وتُعزّز الإحساس بالانتماء إلى المجموعة وتقوية تماسكها.
8. الألعاب الرياضية
تُمكّن الألعاب الرياضية من تفعيل المفاهيم المتعلقة بالفضاء والزمن والعدد والأشكال والمقاييس والتمارين المنطقية. في مرحلة التعليم الأولي يمكن تقديم جميع هذه المفاهيم عبر الألعاب وأنشطة التلاعب والبناء.
تُمكّن الألعاب الرياضية الأطفال من التعلم بمتعة ودافعية لاستيعاب مفاهيم رياضية تبدو أحيانًا مجردة. اللعب يُضفي خفةً على التعلمات التي قد يشعر بعضهم حيالها بالقلق. وتتوزع الألعاب الرياضية بين: ألعاب البناء (المكعبات، اللّيغو...)، وألعاب الحركة، والتعداديات والرقصات، والألعاب التعليمية ذات الطابع الرياضي.
9. ألعاب المشاعر
تُنمّي هذه الألعاب لدى الطفل معرفة المشاعر الأساسية الست: الفرح، والغضب، والحزن، والاشمئزاز، والخوف، والاستغراب. وتُستخدم بطاقات تصوّر هذه المشاعر أو مواقف تجسّدها، فيتعلم الطفل تسميتها واكتشاف مظاهرها الجسدية، ثم التعامل معها بشكل صحي.
تُساعد هذه الألعاب الطفل على التمييز بين مشاعره الداخلية وإدارتها، وكذلك على قراءة مشاعر الآخرين. وتنتظم في أشكال متنوعة: بطاقات المشاعر، لعبة التقليد الوجهي، لعبة اكتشاف المواقف المُولِّدة للمشاعر، ولعبة الأزواج.
10. الألعاب التعليمية
تشمل مجموع الألعاب التي يُصمّمها الكبار لتمكين الطفل من تحقيق تعلمات مُحدَّدة مسبقًا. ولكي لا تفقد بُعدها اللعبي، ينبغي للمربّي احترام مبادئ أساسية:
● يجب أن تُحفّز اللعبة المتعلمين وأن تكون لها صبغة ممتعة.
● يجب أن تشتمل اللعبة على رهان: منافسة بين اللاعبين أو نقاط للفوز، مع نتائج سريعة.
● يجب أن تشجّع اللعبة على التفاعل الاجتماعي وتتضمن قواعد واضحة.
● اللعبة لا تتضمن مفهوم الخطأ الموجِب للعقاب — الخطأ يصبح مصدر مثابرة للوصول إلى الفوز.
● يجب أن يحافظ المربّي على موقف لعبي: هذه ليست درسًا، إنها لعبة.
القسم السابع
أشكال تنظيم اللعب داخل الفصل الدراسي
في التعليم الأولي، يمكن للنشاط اللعبي أن يأخذ ثلاثة أشكال تنظيمية مختلفة، يستلزم كل منها تنظيمًا بيداغوجيًا مسبقًا من المربّي. وهذه الأشكال الثلاثة متكاملة ويُنصح بإدراجها جميعها في برنامج يومي منسجم.
تحميل : الألعاب بالتعليم الأولي من أجل تطوير شامل للطفل
|
اللعب الحر يقود الأطفال لعبهم باستقلالية تامة — المربي يُهيّئ ويُراقب |
اللعب الموجَّه البيداغوجيا اللعبية — اللعب خدمةً لبناء تعلمات محددة |
الورشات المستقلة تثبيت التعلمات في مجموعات صغيرة مستقلة |
الشكل الأول — اللعب الحر
في اللعب الحر يُقرر الطفل ماذا يفعل ومع من يلعب وكيف يلعب. يختار المواد التي سيستخدمها لإعطاء شكل للعبته. وهو نشاط أساسي للتطور الأمثل لقدرات الطفل في جميع أبعادها. بتركه يختار ويجد حلوله بنفسه، يُحفّز المربّي استقلاليته وإبداعه.
غير أن اللعب الحر من جهة المربّي لا يعني الترك المطلق. بل يتطلب يقظةً دائمة، والسهر على صون مناخ محترم وممتع. يمكن للمربّي أن يدعم طفلًا يبحث عن حل بطرح أسئلة محفّزة دون أن يُعطيه الجواب مباشرة. وتبقى أركان الألعاب الفضاء الطبيعي لهذا النوع من اللعب.
|
اللعب الحر لا يعني غياب القواعد — يُعلّم المربّي الأطفال كيفية اللعب في هذه الفضاءات: بالحدّ من عدد الأطفال، بالعناية بالمواد، بالالتزام بحدود المساحة، بمشاركة المواد، والحديث بصوت هادئ. |
الشكل الثاني — اللعب الموجَّه من المربّي (البيداغوجيا اللعبية)
تقوم البيداغوجيا اللعبية على توظيف اللعب وسيلةً لالتقاط اهتمام الطفل ودافعيته، من خلال تقديم التعلمات أو بنائها أو تعزيزها في شكل أنشطة لعبية. إنها نهج غير مباشر؛ أي أن الطفل لا يشعر في الغالب بالهدف المقصود من التعلم.
لتحقيق هذا النهج، يُلزَم المربّي بالتفكير مسبقًا في: كيفية استدراج الطفل نحو أنشطة موجّهة، وبناء تسلسل تدريجي، وخلق شروط تُثير فضول الطفل، واختيار المواد الأكثر ملاءمةً. يبقى في هذا الشكل المربّي والأطفال منخرطين معًا في نشاط مشترك.
يستخدم المربّي هذا الشكل في ثلاثة سياقات: لتقديم تعلّم جديد، أو كمرحلة في تخطيط النشاط، أو كطريقة جديدة لمعالجة نفس التعلم (للتكرار أو التعمق).
|
اللعب الموجَّه يجمع بعدًا لعبيًا وبعدًا ديداكتيكيًا معًا. هذا النمط من التنشيط يُشكّل هوية التعليم الأولي بعينها. ينبغي إعداد جميع التعلمات في التعليم الأولي لتُقدَّم بهذا الشكل، دون إهمال توثيقها لاحقًا. |
الشكل الثالث — اللعب في الورشات المستقلة
تُتيح الورشات المستقلة للأطفال تثبيت التعلمات بعيدًا عن التدخل المباشر للمربّي. هذا النمط التنظيمي يُمكّن من تشغيل مجموعات متعددة في آنٍ واحد داخل الفصل، بأهداف تعليمية متباينة، في ميادين دراسية مختلفة، بمهام وتعليمات محددة لكل ورشة.
يُشكّل هذا النوع فرصةً لتعزيز التعلم بين الأقران، إذ يتشارك الأطفال معارفهم ومهاراتهم في ما بينهم. كما يُنمّي مجموعة من الكفاءات المصاحبة: الاستقلالية، واحترام المواد، والتحكم في الانفعالات (قبول الفوز والخسارة)، واحترام قواعد اللعب (انتظار الدور، عدم الغش...).
|
الورشات المستقلة تُمكّن من تكرار وضعيات التعلم التي هيكلها المربّي مسبقًا. هذه الألعاب التي تُنظَّم بين الأطفال تُمكّن من: تعزيز تعلّم، وحفظ تعلّم، وتكرار تعلّم في أشكال مختلفة. |
القسم الثامن
خلاصة وتوصيات عملية للمربّين
يشهد هذا الدليل على الثراء الهائل للألعاب في خدمة بيداغوجيا التعليم الأولي. حين نستحضر مزايا اللعب وفوائده على تطور الطفل ومساره التعليمي، يصعب علينا فهم استمرار المقاومة التي يواجهها تطبيقه في الحياة اليومية للفصل.
إن إدراج اللعب ليس فعلًا بيداغوجيًا سهلًا. كما أن غياب البيئة الداعمة يُشكّل عائقًا إضافيًا: المدرسة الابتدائية لا تزال تُبنى على نموذج تعليمي تقليدي لا مكانة فيه حقًا للعب. إدراج اللعب في التعليم الأولي يُمثّل قطيعةً ومفارقةً لهذا السياق السائد.
كما أن اتهامات بعض الآباء تُولّد وضعًا مُربكًا: 'الأطفال لا يذهبون إلى المدرسة للعب'. يبقى على المربّي أن يُبرّر ممارساته، وإن لم يكن هو نفسه مقتنعًا، فإن ذلك يغدو تمرينًا عسيرًا!
التوصيات العملية
● ابدأ بالتخطيط — خصّص وقتًا يوميًا للعب ضمن جدول زمني واضح ومدروس. اللعب ليس عشوائيًا بل يحتاج إلى تحضير دقيق.
● أعدّ الفضاء — جهّز ركنًا أو ركنين من أركان اللعب بشكل صحيح ومُحكم. الجودة قبل الكمية.
● حدّد الأهداف — لكل لعبة هدف تعليمي محدد، حتى وإن بدا النشاط عفويًا للأطفال.
● أشرك الأسرة — اشرح للوالدين دور اللعب في تعلم أبنائهم. ثقتهم في ممارساتك شرط لنجاح مشروعك.
● طوّر نفسك باستمرار — تابع الأبحاث التربوية واستفد من تجارب زملائك في المجال.
● قيّم وأعِد التكيّف — راقب تفاعل الأطفال مع الألعاب وكيف تحقّق الأهداف التعليمية المرجوّة.
|
التعليم الأولي ليس مدرسةً ابتدائية مُصغّرة، بل فضاء له هويته الخاصة القائمة على مناهجه المتوافقة مع مراحل نمو الأطفال الصغار. إدراج اللعب في الممارسة التربوية عمل جاد ومتطلب يستوجب الوضوح في المنهج والتنظيم والتحضير المعمّق للأدوات والوسائل. |
تحميل : الألعاب بالتعليم الأولي من أجل تطوير شامل للطفل
المصادر والمراجع
● ATFALE/MEN — الألعاب والأدوات التربوية في التعليم الأولي، المغرب (2007)
● ATFALE/MEN — الأنشطة الرياضية في التعليم الأولي (2007)
● الإطار المنهاجي لتعليم ما قبل المدرسة، مديرية المناهج (2018)
● الدليل التربوي للتعليم الأولي، مديرية المناهج (2020)
● BROUGÈRE, G. — Jouer/apprendre, Economica (2005)
● CAILLOIS, R. — Les jeux et les hommes (1958)
● TRICOT, A. — مداخلة حول مفهوم التعلم وأنواعه
● Hart & Risley — Meaningful Differences in the Everyday Experience of Young American Children (1995)